الحزن

عادة ما يتولد الشعور بالحزن نتيجة الخسارة بأشكالها المتنوعة مثل وفاة أحد الأفراد المقربين أو نهاية علاقة ما أو فقدان وظيفة, ويعرف الحزن بأنه تجربة شخصية ولكل شخص الحق في أن يعبر عن حزنه على طريقته الخاصة, والخسارة التي قد تبدو بسيطة لشخص ما قد تكون مؤلمة وتتسبب في الكثير من الحزن لشخص آخر, وهناك عدة عوامل تؤثر في درجة الشعور بالحزن منها طبيعة شخصية الفرد والخسائر السابقة وطبيعة الخسارة التي تتسبب في الحزن فضلا عن الدعم الذي يتلقاه الفرد أثناء شعوره بالحزن.

وفي بعض الأحيان يعبر الأشخاص عن حزنهم بطرق مختلفة، مثل البكاء في الجنازات أو الحديث عما حدث, ومع ذلك فإن أشكال الحزن فردية, فليس كل الأشخاص قادرون أو مستعدون للتعبير عن مشاعرهم في حضور أشخاص آخرين, وهناك بعض الأشخاص يمكنهم التعبير عن حزنهم عن طريق الأداء الحركي, إلا أن البعض قد يقف مكتوف اليدين من أثر الصدمة والبعض الآخر قد يعالج ما حدث ويتخطاه, كما أن ردود الفعل الصارمة الخاصة بكيفية التعبير عن الحزن قد تؤدي إلى القلق, ففي أسوأ الحالات، قد ينسى الشخص الذي يعاني من الخسارة أن لديه أيضا الحق في التمتع بكل ما هو جيد في الحياة,  فالشخص في فترة الحداد يعالج الأحداث المؤلمة لمصلحته الخاصة وليس لمصلحة أي شخص آخر.

كما أن الحزن يمتزج بالعديد من أنواع المشاعر المختلفة مثل: الحنين الفائق والرغبة في إنكار ما حدث والشعور بالوحدة وانعدام الأمان واللامبالاة والقلق والشعور بالذنب والغضب, كذلك يمكن أن يتفاعل الجسم مع الشعور بالحزن: فقد يعاني الشخص الحزين, على سبيل المثال, من الصداع ومشاكل المعدة وضعف الذاكرة والإرهاق وتصلب العضلات وأعراض نوبات الهلع، هذا بالإضافة إلى أن الهلوسة ممكنة في حالات الحزن الناتج عن الأزمات المؤلمة, كما يمكن، على سبيل المثال، أن تتخيل أنك تسمع صوت الشخص الميت في مكان ما.

وغالبا ما تأتي الأفكار والمشاعر المحزنة في شكل موجات متتابعة, كما تكون بعض الأيام أكثر صعوبة من غيرها, وشيئا فشيئا، تمضي المشاعر الحزينة ويتعلم الفرد التعايش مع الخسارة, فإذا استمر الحزن لفترات طويلة قد يتحول إلى اكتئاب, وفي مثل هذه الحالات قد تكون المساعدة الخارجية مفيدة بشكل خاص.

أساليب التأقلم مع الحزن

يتم أدناه سرد بعض الأساليب المختلفة المُستخدمة للتأقلم مع الحزن من قبل أشخاص يعانون من الحزن:

الحصول على المعلومات الخاصة بالحدث وبناء الصورة المتكاملة

يحاول بعض الأشخاص معالجة الحزن عن طريق الحصول على معلومات بشأن ما حدث, فهم يحاولون بناء صورة واقعية لما حدث في أسرع وقت ممكن من أجل تفهم الموقف بصورة أفضل, حيث إن بناء الصورة المتكاملة عن الموقف والحصول على المعلومات الكافية عن الحدث يساعدهم على تنظيم أحزانهم والوضع المتغير.

ومن الجدير بالذكر أنه ينبغي إطلاع الأطفال على المعلومات الكافية حول الحدث بحيث لا يضطروا إلى استخدام خيالهم واستنتاج ما حدث, ومع ذلك، ينبغي تزويد الأطفال بالمعلومات وفقا لمرحلة عمرهم, ولذلك يجب عليك قراءة المزيد عن الحزن عند الأطفال.

الحصول على دعم من الآخرين

يتلقى معظم الأشخاص الدعم نتيجة لانتمائهم إلى جماعة أو مجتمع معين بالإضافة إلى تبادل الخبرات والمشاركة في الأنشطة الجماعية, وعبر التاريخ, اعتاد الأشخاص على معالجة أحزانهم وخاصة كمجتمع, وذلك عن طريق الحصول على الدعم الاجتماعي والتحدث عن ما حدث وهذا أمر مهم جدًا لجميع الأشخاص تقريبا في مرحلة الحداد, ويمكن أن تقدم مجموعات دعم الأقران، على سبيل المثال، الدعم الاجتماعي بالإضافة إلى الأصدقاء المقربون.

معالجة المشاعر واستخدام الحلول الإبداعية

قد يساعد التعبير عن المشاعر بالطرق المختلفة في التكيف مع الخسارة, فيمكن اتباع أساليب مختلفة بالإضافة إلى الحديث عن المشاعر والبكاء مثل الكتابة أو الرسم أو الرقص أو الاستماع إلى الموسيقى والتي من شأنها أيضا معالجة الحزن بصورة أيسر, كما أن الرغبة في معالجة المشاعر الصعبة والمخيفة قد تساعدك على استعادة قوتك بسرعة أكبر.

والشعور بالغضب أمر شائع جدا أثناء التعبير عن الحزن، ولكن من الصعب على كثير من الناس التحدث عن ذلك, لذلك فإن معالجة الأفكار والمشاعر الغاضبة بطريقة أخرى مناسبة قد تكون فكرة جيدة جدا, مع الأخذ في الاعتبار أنه إذا حاولت منع نفسك من الشعور ببعض المشاعر، قد تكون تلك المشاعر أكثر عرضة لتطفو على السطح بعد وقت طويل أو إبطاء التعافي من الحزن بطريقة أخرى.

اللجوء إلى الدين أو المعتقدات

قد يساعد إمكانية إيجاد الدعم في المعتقدات أو الدين في جلب الأمل واستعادة الثقة في الحياة حيث يذكرنا دائما بمدى أهمية الحياة.

الأنشطة البدنية

قد يساعد تأثير الحالة البدنية والحيوية في التخفيف من التوتر الناجم عن الحزن, فممارسة الرياضة، مثل الجري أو قطع الحطب قد يزيد من إنتاج الهرمونات المسببة للمتعة بالإضافة إلى تضييق الفرصة لعدم التفكير في الحدث الحزين لفترة من الوقت, كما أن النوم الكافي والتغذية السليمة عاملان مهمان جدًا للتكيف مع الحزن.

آداء الطقوس

تساعد عادة ممارسة الأنواع المختلفة من الطقوس في التعبير عن الحزن, ففي حالة الوفاة، يجد معظمنا أنه من الضروري الذهاب إلى الجنازة.

الحصول على المساعدة المهنية

إذا اقتضى الأمر، ينبغي للمرء الحصول على مساعدة متخصصة من مركز الأزمات، على سبيل المثال

أفكار جديدة عن الحزن

تنوعت الأفكار حول كيفية تعافي الأشخاص من الخسائر الكبيرة مع مرور الوقت, وفي القرن العشرين، نمت بشكل قوى فكرة أن الغرض من الحزن هو قطع الروابط العاطفية مع المتوفى, وكان الغرض من وراء تلك الفكرة أنه بعد قطع الروابط العاطفية مع المتوفي يمكن تثبيتها مع شخص آخر, بهدف ترك الفقيد إلى عالمه الآخر ونسيان الخسارة من أجل الحفاظ على المعيشة.

ومع ذلك، لوحظ في وقت لاحق أن الأشخاص لا تحزن بهذه الطريقة, فعلى سبيل المثال، الأطفال الذين يفقدون آباءهم لا ينسونهم ولكن يحتفظون بذكراهم في الذاكرة ويظهر ذلك من خلال الحلم بهم والاحتفاظ ببعض الأشياء التي تخصهم وزيارة قبورهم وبشكل عام، التفكير بهم كثيرا, وغالبا ما يعتقد الأطفال أيضا أن الوالد المتوفى موجودًا بطريقة ما في حياتهم ويرى ما يحدث لهم.

عندما يتم السماح للطفل بحمل ذكرى الوالد المتوفى في قلبه، يصبح الفقدان جزء من قصة الطفل ويجلب المزيد من العمق واليسر له بدلا من جعل الحداد أكثر صعوبة, كما يتصرف أيضا الآباء الذين يفقدون طفلا في كثير من الأحيان بطريقة مشابهة, حتى إذا كان الطفل المتوفى هو الطفل الوحيد في العائلة، فإنهم لا يزالون يشعرون بأنهم آباء ويحتفظون بذكرى الطفل معهم, وفي الوقت الحاضر يتم الاعتقاد بأن الروابط العاطفية مع المتوفى لا تحتاج إلى أن تُقطع لأنها سوف تستمر في أي حال.

وقد اكتشف الأشخاص الذين تعرضوا عادة لخسارة كبيرة أن ذكرى الشخص المتوفى لن تنسى أبدا, حيث يتغير فقط شكل الحزن بالطريقة التي من الممكن التعايش معها, وقد تكون أحيانا مشاعر الشوق قوية في بعض المناسبات حتى بعد مرور سنوات مثل ذكرى يوم عيد الميلاد أو الذكرى السنوية للمتوفى أو أثناء الإجازات.

وقد تكون بعض الأسئلة مثل "هل تخطيت بالفعل مرحلة حزنك" مربكة وحمقاء حيث قد تعني أن الفرد لم يتخطى حزنه ولكن يبدو وكأنه ينسى المتوفى, فالمضي في الحياة لا يعني أن عليك أن تنسى أحد الأفراد المقربون الذين لقوا حتفهم, فمن الممكن أن تتعافي من أحزانك مع التفكير بحرارة في الشخص المفقود.

الحزن الناتج عن الصدمات

ينتج عادة الحزن المرتبط بالصدمات عن الموت المفاجئ أو العنيف لأحد الأفراد المقربين, فعلى سبيل المثال، إذا انتحر أحد الأشخاص, فإن المقربين إليه غالبا ما يخوضوا تجربة حزن صادمة لأن الحدث نفسه مفجعا.

يرتبط الحزن الناتج عن الصدمات بذكريات قوية ومؤلمة للمتوفى بالإضافة إلى عدم القدرة على قبول ما حدث والاعتقاد بأن الحياة لن تستمر دون الشخص المتوفى وكذلك الوصول إلى مشاعر الجنون, ويشمل التعبير عن الحزن بعض المشاعر الأخرى مثل الشعور بأن الحياة ليس لها معنى وتجنب كل ما يذكرك بالشخص المتوفى، كبعض الأماكن أو الأفكار أو المشاعر فضلا عن الشعور بأن جزءا من نفسك قد مات أيضا, ومن الجدير بالذكر أيضا أن عدم وجود ردود فعل عاطفية قد تدل في بعض الأحيان على الحزن العميق الناتج عن الصدمة, وقد يؤدي هذا الحزن أيضا إلى الاكتئاب.

التعافي من الحزن الناتج عن الصدمات

ينبغي أن تكون هناك إمكانية للشخص الذي يعاني من الحزن الناتج عن الصدمة للحديث عن ما حدث مرارا وتكرارا, حيث يساعد الحديث على فهم أن هذا الحدث الصادم حدث بالفعل في الواقع ومن ثم ربطه بقصة حياة الفرد, ويفضل الأشخاص الذين عانوا من شيء مروع حقا في كثير من الأحيان فصل أنفسهم عن الحدث لأن عقولهم ليست قادرة على قبوله, وقد يشعر مثل هذا الشخص كأنه غريب وفي نفس الوقت يواجه معاناة لا حد لها.

يجب أن يحاول الشخص الذي يعاني من الحزن الناتج عن حدث صادم معالجة ذلك الحدث حيث أنه من الممكن أن يسهل الحزن الطبيعي عملية التعافي, وعندما يكون الشخص قادرًا على معالجة الحزن بما فيه الكفاية، يبدأ الحزن الناتج عن الصدمة بالتحول إلى الحزن الطبيعي, ويكون الشخص قادرا على التكيف مع تغير الوضع بالإضافة إلى العثور على ذكريات مريحة للمتوفى ولا يتبادر الحدث الصادم إلى ذهنه طوال الوقت بعد الآن, شيئا فشيئا، يصبح هذا الحدث جزءا من قصة حياة الفرد ويكون الشخص قادرا على التطلع إلى المستقبل مرة أخرى.

الفرق بين الحزن ومعالجة الصدمة النفسية

الحزن

ذكريات عن الشخص المفقود
البحث عن الذكريات المواسية
الرغبة في الحديث عن الشخص المفقود
حزن وحنين واكتئاب
أحلام مريحة حول الشخص المفقود

 

تأتي معالجة الصدمة قبل الحزن

قد يحتاج الشخص الذي يعاني من الحزن إثر تعرضه لصدمة ما إلى مساعدة المتخصصين لمعالجة هذه الصدمة النفسية، حيث يمكنه الاتصال بمراكز الرعاية الاجتماعية والهيئات الصحية التابعة للبلدية ومركز إدارة الأزمات للحصول على موعد مع مستشار الأزمات، كما يمكن أن يعثر على مجموعة دعم من أقرانه أو أن يخضع لدورة إعادة تأهيل لمعالجة حالة الحزن هذه في إطار جماعي، وذلك بناءً على طبيعة ما فقده هذا الشخص, اقرأ المزيد عن: الأزمات الصادمة

الحزن عند الأطفال

يعد رثاء الأطفال مع عائلتهم أمر هام، وكذلك مخاطبتهم بواقعية عن الحدث الذي تسب لهم في ذلك الحزن أمرُ جيد، شريطة أن يوضع مستوى نمو الطفل في الحسبان، وإذا لم يكن الأطفال متأكدين بشأن ما حدث، فقد يملئون الفراغات من مخيلتهم، وإذا كانت العائلة ذاهبة لزيارة أحد أفرادها المتوفيين المحبوبين وأراد الأطفال الذهاب معهم, فلابد أن يسمحوا لهم بذلك، فزيارة الشخص المتوفى تجعل من السهل أن يدرك الطفل أن الشخص المحبوب قد ذهب للأبد، وكذلك تعد مشاركة الأطفال في الجنازة أمر هام لصالحهم.

ربما يكون من العسير على الطفل أن يجد الكلمات التي يعبر بها عن حزنه، فالحديث عن الشخص المتوفى والمشاعر التي يتسبب بها الحزن لازالت هامة بالنسبة للطفل، وعلى الراشدين أن يتحدثوا مع الطفل حول ما حدث، فحين يسمع الطفل ويعرف ما الذي يحدث، يكون سوء فهمه لحقيقة ما حدث أقل احتمالاً، على سبيل المثال، يميل الأطفال الذين لم يبلغوا سن الذهاب للمدرسة إلى التفكير السحري، وقد يعتقدون أنه بإمكانهم أن يؤثروا على العالم بأفكارهم، ونتيجة لذلك، قد يعتقد الأطفال أنهم تسببوا في موت شخص آخر.

قد يحتاج الطفل إلى أساليب ملموسة إلى جانب الحديث لمعالجة الحزن، ويمكنكم الرسم مع الطفل على سبيل المثال، أو الاستماع إلى الموسيقى أو رؤية صور للشخص المتوفى، وعادة ما يعالج الأطفال أحزانهم باللعب أيضًا، كما أن أهم شيء من وجهة نظر الراشدين هو منح الأطفال المزيد من الوقت والاهتمام بهم والبقاء بقربهم لفترة أكثر من المعتاد، علاوة على ذلك يجد الأطفال عادةً التلامس الجسدي مهدئ لهم، لذا يعد حمل الأطفال أو معانقتهم بصورة أكثر من المعتاد أمرًا جيدًا.

قد يسأل الأطفال الكثير من الأسئلة حول الحزن والموت، وإن أثار سؤال الطفل بكاء الشخص الراشد، فمن الأفضل أن يخبر الطفل عن سبب بكائه، لأن الطفل قد يخشى أن يجرح شعور الشخص البالغ فيتوقف عن طرح أسئلته, حتى ولو كانت تساعد الطفل في معالجة حزنه، فلاشيء في البكاء أمام الأطفال يتعين على الراشدين الخشية منه، بل إنه يساعد الأطفال على إدراك أن افتقادهم أيضًا للشخص المتوفى أمر طبيعي.

إن جميع الناس بمن فيهم الأطفال يتمتعون بالقدرة على التغلب على كل المواقف الصعبة، فهناك أشياء عديدة تدعم الشفاء، كالحصول على الدعم من الأصدقاء أو الأقارب أو الوالدين، وكذلك إمكانية التعبير عن الحزن أيضًا تدعم الشفاء والانضمام لمجموعة من الأقران أو الحصول على مساعدة من المتخصصين، مثل الاشتراك في أحد مجموعات معالجة الحزن التي تُمكن الشخص الحزين من الحصول على معلومات تتعلق بكيفية التفاعل مع الحزن، وينظم مركز إدارة الأزمات (SOS), على سبيل المثال, مجموعات للأطفال الذين فقدوا أحد الأشخاص المقربين إليهم، كما أن هناك دعم مماثل لما يقدمه المركز متاح في مدن عديدة، ويتّبع الأطفال سلوك مماثل للبالغين، مثل معالجتهم للحزن بالتصرف أو بالتفكير في الأمر أو غير ذلك.

أبعاد حزن الطفل

التغير الدائم بالعائلة

يختلف تأثير وفاة أحد أفراد العائلة على الطفل إذا كان أخًا أو أختًا عنه إذا كان المتوفى هو أحد الوالدين، إذ لم يزل يتسبب فقدان أحد أفراد العائلة في الشعور بأن العائلة لم تعد كاملة مرة أخرى.

فقد أحد الأشقاء

قد يصبح الطفل هو الطفل الوحيد بالمنزل بعد أن يفقد أحد أشقائه, وذلك لأن معظم عائلات اليوم هي عائلات صغيرة في أغلب الأحيان، إلا أن الطفل الذي فقد شقيقه يحافظ على استمرار شعوره بنوع من العلاقة التي تربط بينه وبين شقيقه المتوفى، على سبيل المثال، قد يتحدث الطفل في نفسه إلى شقيقه المتوفى ويخبره بما يحدث في حياته مثلما كان يفعل تماماً حين كان شقيقه لا يزال على قيد الحياة، وتعد إتاحة الفرصة لتذكر الشقيق المتوفى مع الوالدين أمرًا ضروريًا، ويمكن أن يكون ذلك بالنظر إلى الصور على سبيل المثال.

يؤثر موت أحد الأشقاء على العلاقة بين الطفل أو الأطفال وآبائهم، فالمواقف الصعبة والأحزان العميقة بطبيعة الحال يكون لها أثرها على الطريقة التي يتعامل الوالدين بها مع أطفالهم، وعادة ما يكون الفرح والحزن عند الأطفال ذات طبيعة تبادلية، وعلى الآباء المحاولة لإيجاد وسيلة تمدهم بالقوة للمشاركة في لحظات الفرح التي يحظى بها الأطفال، فقدرة الوالدين على دعم بعضهم البعض ودعمهم للطفل, في أوقات الحزن, يساعد على الشفاء.

وفاة أحد الوالدين

يُغير موت أحد الوالدين كل أفراد العائلة مما يترتب عليه تغيير العائلة بأكملها، وربما تستغرق العائلة وقتًا طويلاً في إيجاد توازن جديد لأعمالهم الروتينية وحياتهم وأدوارهم، وحين يموت أحد الولدين، غالبًا ما يخشى الطفل موت الآخر، وربما يعبر الطفل عن ذلك الخوف بحراسة والده أو الأشخاص الآخرين الذين يحبهم أو أن يخشى الطفل من البقاء بمفرده، وقد يعبر الطفل عن القلق الذي يمر به بوسائل أخرى إلى جانب البكاء مثل السلوك العدواني والتدهور المؤقت بالصفوف المدرسية.

يستطيع الأفراد المقربين إلى الطفل أن يتحدثوا معه عما حدث، وكذلك أن يتذكروا الوالد المتوفى معه، وأن يشاركوا الطفل في أعمال ملموسة مثل اللعب والرسم، وغالباً ما تساعد مجموعات معالجة الحزن التي تسمح للطفل بأن يعالج أحزانه مع مجموعة أخرى من الأطفال من نفس سنه ممن مروا بأمر مماثل لما حدث له، وإذا كان حادث الوفاة صادم بشكل خاص، مثل رؤية الطفل لذلك الحادث، أو عثوره على الوالد المتوفى، أو كان حزنه لأي سبب آخر يضغط على الطفل بقوة فقد يكون طلب دعم مجموعات معالجة الحزن أمرًا مفيدًا له بشكل خاص في مثل هذه الحالات.

إنّ تكيف الأطفال مع التغيير الذي حدث بحياتهم هو أمر ضروري للنجاة من الحزن، وبدعم الأشخاص الذين يحبون هؤلاء الأطفال وبمنحهم الوقت، سيتمكن الأطفال من إدراك ما حدث، وسينظرون إلى ما حدث على أنه أمرًا أثر عليهم وسيجعلونه جزءً من قصص حياتهم، كما يعتبر تذكر الشخص المتوفى جزءً هامًا من مسألة الشفاء، لأن الذكريات تخلق صورة هيكلية لحالة الوالد المتوفى حين كان على قيد الحياة، وسيتعلم الأطفال مع الوقت استغلال هذه الصورة للتفكير بشأن علاقتهم مع الوالد المتوفى.

ينبغي على الأطفال أن يواجهوا هشاشة الحياة

عادة ما تتسم مرحلتي الطفولة والشباب المبكر بشعور الفرد بأن شخصيته لا تقهر، وبطريقة ما تقترب فكرة الموت بشدة من الطفل وفي وقت قصير، وذلك حين يفقد أحد الأشخاص المقربين إليه، وربما يدفع موت الشخص المقرب من الطفل إلى تفكيره في أنه قد يموت هو الآخر بموت الشخص المقرب إليه، كما يحتمل أن يكون بعض أفراد العائلة محصنين ومحافظين للغاية في حالة تعرض أحد أفراد العائلة للموت.

قد يكون لفقد الشخص المقرب للطفل أثر جسدي على الطفل، الأمر الذي يجعل الطفل يشعر بالمرض أكثر من ذي قبل ولا يشعر بما تعود على الشعور به، كما أن النضج العاطفي للأطفال والمراهقين الذين يفقدون شخص يحبونه أسرع من نضج أقرانهم، وربما يشعرون بذلك أيضًا بسبب ما مروا به من حزن، مثل أنهم أقوى من أقرانهم، وأنهم قادرون على تقدير الأشخاص المقربين إليهم أكثر من أقرانهم.

الشعور بالذنب

يشعر الأطفال بالذنب عند موت شخص يحبونه تمامًا كما يفعل الراشدون وهو شعور غير ضروري تسببه الصدمة، وربما يعتقد الأطفال أيضًا أنهم لم يعد لهم الحق في السعادة والمرح، وعلى الراشدين أن يساندوا سلوك الطفل الذي يجعله سعيدًا من خلال مشاركته في اللعب أو الضحك أو إخباره بأن لجميع الناس الحق في الشعور بالسعادة والمرح طالما كان ذلك ممكنًا، حتى ولو حدث شيئًا مريعًا.

قد يعتقد الأطفال الصغار أن بإمكانهم أن يتسببوا في موت شخص آخر من خلال التفكير في: "إن أختي الصغيرة غبية وأتمنى لو أنها لم تكن موجودة..."، لذلك يعتبر إخبار الأطفال الصغار لماذا يموت الشخص الذي يحبونه والأسباب التي أدت إلى موته، وكذلك أنه ليس بإمكان أحد أن يفعل شيء حيال ذلك.

العقل المُرهَق

قد يكون من الصعب على كل طفل صغير أن يقوم بأداء أموره اليومية بسبب تلك الأفكار الصعبة التي تورد على عقله، وقد تبقى مشاعر متنوعة بعقل الطفل مثل الشعور بالخوف والذنب والحزن والحنين، وربما يكون من الصعب على الطفل تسمية هذه المشاعر التي قد يكون يشعر بها للمرة الأولى، وبالتالي يصعب عليه معالجتها أيضًا، الأمر الذي يتطلب من الراشدين التحدث إلى الطفل عن شعوره بالضيق ومساعدته في فهم ما قد يشعر به.

قد يصعب على الطفل التركيز في المدرسة بعد أن يفقد شخصًا يحبه، كما يصعب على الراشدين أيضًا التركيز في العمل، وفي حالة كانت معاناة الطفل كبيرة ودامت معه لوقت طويل أو إذا لجأ الطفل إلى العنف للتعبير عن حزنه أو كان سلوكه مختلف بشكل واضح عن سلوكه من قبل، فإن المساعدة الخارجية، مثل الاستشارة العائلية أو دورات إعادة التأهيل, قد تكون مفيدة للطفل.

الحزن غير المعترف به

حين نتحدث عن الحزن والبكاء، فإننا عادة ما نتكلم عن العائلة والأطفال، وكذلك أيضًا الأصدقاء المقربين، فكل مجتمع يطور ممارساته بحيث يتوقع من سيبكي وبأية طريقة سيعبر عن حزنه، ويعبر عن ذلك مثلاً الشخص الذي سيأخذ إجازة مرضية، وإلى متى سيدوم حزنه بعد موت أحد الأشخاص المحبوبين.

يمنح الأطباء الإجازات المرضية للأشخاص المحزونين بناءً على قاعدة "ردود أفعال التوتر الحاد"، لأن الحزن مرض لا يمكن تشخيصه، وقد تتضمن بعض اتفاقيات التوظيف على التنظيمات الخاصة بمنح الإجازات المرضية حين يموت أحد أفراد العائلة، فالإجازات المرضية التي تُمنح في حالة موت الطفل أو الزوج, على سبيل المثال, أطول من تلك التي يتم منحها حين يموت أحد الوالدين، كما أن طريقة وضع المجتمع للمعايير التي يجب تحديد مدة الحداد على أساسها، وكذلك الإقرار بحق الأفراد في الحزن على مجموعة معينة فقط من الأشخاص, قد تتسبب في الكثير من الألم.

فضلاً عن أنه يطلق على المواقف التي يشعر فيها الناس بفقد شخص ما دون مبرر اجتماعي للحداد بالحزن غير المعترف به، ويمكن وصف الحزن غير المعترف به باعتباره عجز عن التحدث بشأن أسباب ذلك الحزن، ونقص فرص الحصول على الدعم في المواقف الصعبة، وفيما يلي بعض المجموعات، من بين مجموعات أخرى، قد يمروا بتجربة الحزن غير المعترف به:

النساء اللائي خضعن لعملية إجهاض

تشعر أي امرأة بالحزن, تقريبًا دون استثناء, إذا خضعت لعملية إجهاض, ومع ذلك فإن الحزن الناتج عن الإجهاض لا يزال شيئًا ممنوعًا في مجتمعنا, ويرجع ذلك لوجود عدد من الأيدوليجيات المناهضة للإجهاض والتي ترسم صورة للإجهاض على أنه اختيار أناني, متجاهلة في ذلك الوضع الصعب الذي تمر به المرأة وحزنها بالتبعية, فمشاعر الحزن مشتركة في الفترة السابقة للإجهاض والتالية له, وغالبًا ما يمتزج الحزن بالإحساس بالذنب, ومن هنا تأتي أهمية أن يكون للمرأة التي خضعت لعملية الإجهاض الحق في التعبير عن حزنها دون الخوف من آراء الغرباء الأخلاقية.

الذين يتنازلوا عن أطفالهم للتبني

قد يكون شعور الشخص الذي تخلى عن طفله للتبني غير ملحوظ, ومن ثم قد يعتقد الغرباء أن التنازل عن طفل للتبني بأنه دائمًا أمر طوعي إلى حد ما ولن يسبب الحزن, وقد يعتقدوا أيضًا أنه مع انتهاء ما للآباء الحقيقيين من حقوق وما عليهم من التزامات بشكل قانوني إثر التبني, تنتهي الروابط العاطفية هي الأخرى في نفس الوقت, ولكن على العكس من ذلك, لا يوجد شخص يستطيع أن يقرر الوقت الذي يجب أن تختفي فيه تلك الروابط من الوجود, فالحزن قد يمتد إلى فترات طويلة بعد عملية التنازل عن الطفل.

النساء اللائي تعرضن للإسقاط

غالبًا ما يقول الأمهات والآباء الذين واجهوا عملية إسقاط بأنهم شعروا بالوحدة دون أن يتلقوا الدعم الكافي الذي كانوا في أمس الحاجة إليه, فالإسقاط يؤدي إلى الشعور بفقدان طفل طال انتظاره, بينما يعتبره قسم الرعاية الصحية أنه مجرد فعل جسدي فقط, والجدير بالذكر أنه في دولة فنلندا لا يتم عمل جنائز للأجنة الأقل عمرًا من 22 أسبوعًا, لذلك لا يوجد طقوس ثقافية للتعامل مع الموقف, وفي بعض الأحيان يكون من الصعب أيضًا مشاركة المشاعر مع الشريك الآخر, فالإسقاط يكون صعبًا على كلاً من الأب والأم, ومن ثم يعبر كل منهما عن الحزن بطريقته الخاصة, ومع ذلك وفي أفضل الحالات قد يساند الزوجان بعضهما البعض لمواجهة الحزن.

المقيمون علاقات جنسية مثلية

حتى يومنا هذا, يواجه الأشخاص المثليين صعوبة في تلقي الدعم من أحبائهم عند الحزن, ففي حالة وفاة الشريك الآخر, على سبيل المثال, أو انفصالهم, من المحتمل أن يُترك الشريك الحزين وحيدًا مع أحزانه دون تلقي الدعم.

الأصدقاء والزملاء وزملاء الدراسة

قد يغض الناس الطرف عن عزاء الأصدقاء والزملاء وزملاء الدراسة لأنهم, على سبيل المثال, ليسوا جزءًا من الأسرة المباشرة أو نظرًا لاعتقاد الآخرين بأن الأطفال لا يريدون معالجة أحزانهم, فالأصدقاء, مثلاً, يُتوقع منهم أن يقدموا الدعم للأسرة التي توفي أحد أفرادها, في نفس الوقت الذي قد لا يجدوا فيه القوة بداخلهم للقيام بذلك.

أحباب مدمني الخمر أو المخدرات

قد يسمع أقرباء مدمن الخمر أو المخدرات الذي توفى بعض التعليقات الخشنة مثل: ”لقد كان شخصًا لا يستحق الحزن“, وأحيانًا, تختلط مشاعر الحزن مع مشاعر الارتياح, على سبيل المثال: لو كانت الحياة في المنزل صعبة للغاية ولمدة طويلة, حيث غير الإدمان وتأثيراته شخصية الأحباء أو لأن الفرد قد أصبح عنيفًا, ولكن على أي حال, يحق لكل شخص أن يحزن بالطريقة التي يراها مناسبة.

المقربون لشخص توفي بالإيدز

لا تزال عدوى فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) تسبب مشاعر الخجل للشخص المصاب والأهل أيضًا, وغالبًا ما تنتج تلك الصورة المخجلة عن هذا المرض من وصمة العار التي كانت مُصاحبة للمرض في أيام اكتشافه الأولى, وتقوم حاليًا مؤسسة رعاية مصابي الإيدز بدعم كلاً من المصابين وأقربائهم.

ذوي الإعاقة العقلية

يتم تجاهل حُزن الأشخاص المعاقين عقليًا في حالة حدوث حالة وفاة من أقربائهم, حيث من المحتمل ألا يتم ملاحظة حاجتهم إلى الدعم الخارجي وألا يتم تقديم الطرق الملائمة التي تمكنهم من التعامل مع الحزن.

الذين فقدوا زوجًا سابقًا

قد يشعر من فقد الزوج أو الزوجة السابقة بحزن شديد حتى ولو انتهت العلاقة منذ سنوات, ومع ذلك قد يكون الزوج السابق غير مُرحب به في الجنازة, على سبيل المثال, خشية ألا يتفهم الزوج الحالي حقيقة الموقف, وفي بعض الأحيان قد يُدهش الشخص الذي فقد زوجه السابق بشدة الحزن التي يشعر بها.

الذين فقدوا حيوانًا أليفًا

يُعد الحيوان الأليف في غاية الأهمية بالنسبة لبعض الأطفال بل والبالغين أيضًا, ومع ذلك, قد لا يوافق الأشخاص الذين لا يملكون حيوانًا أليفًا على الحزن بعد فقد هذا الحيوان, قائلين: ”لقد كان مجرد كلب“, ولكن مدى أهمية الحيوان الأليف, على الرغم من ذلك, لا يعرفها إلا أصحاب تلك الحيوانات المفقودة.

موظفو الرعاية الصحية, بما في ذلك الأطباء النفسانيين والباحثين الاجتماعيين

غالبًا لا يتم التحدث عن مشاعر الحزن التي تشعر بها هيئة التمريض بعد خسارة مريض ما, حيث يُتوقع أن يعزل الموظفون أنفسهم عاطفيًا عن المرضى, ولكن على الرغم من ذلك, قد توجد حالات يعمل فيها موظفي الرعاية الصحية مع المريض لعدة سنوات, فكيف يُتوقع أن يعزلوا أنفسهم في تلك الحالات, كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى الإحساس القوي بعدم الأهلية, علاوة على الحزن.

وقد يُترك الشخص الذي يشعر بحزن غير مُعترف به دون أن يتلقى الدعم الذي يحتاجه من المقربين إليه, أو أن يشعروا بأن حقهم في الحزن غير مُعترف به, فعلى الرغم من ذلك, لا يواجه هذا الشخص الموقف بمفرده بل حالته مُشابهه لكثيرين, فالعديد من الأشخاص يواجهوا نفس المشاعر, حيث لا يمكنهم مشاركتها مع الآخرين, لذلك يمكن أن يذهب هؤلاء الأشخاص إلى مجموعات دعم الأقران, مثلًا, أو أن يتحدثوا عن تجاربهم الأليمة عبر الإنترنت لتخفيف تلك المشاعر.

الحزن من المنظور الذكري والأنثوي

تشير فكرة الحزن من المنظور الذكري والأنثوي إلى الطرق المختلفة ثقافيًا والمُستخدمة من الرجال والنساء في التعبير عن حزنهم, فالحزن من المنظور ”الذكري“ أو ”الأنثوي“ لا يعني بالضرورة أن الرجال والإناث يعبروا عن حزنهم بطرق مختلفة في كل الأوقات أو أن كل النساء, على سبيل المثال, يعبروا عن حزنهن بنفس الطريقة, حيث لوحظ, رغم ذلك, أنه يوجد عدد من الاختلافات الواضحة بين الطريقتين في التعامل مع الحزن, ففي حالة عدم المقدرة على فهم تلك الاختلافات, يمكن أن ينشأ نوع من عدم الفهم غير الضروري لطريقة تصرف الآخر.

كما أن هناك سوء فهم شائع عن أن الرجال لا يعبروا عن حزنهم مطلقًا, فالمرأة قد تبكي أو تتحدث عن التجارب التي مرت بها, ولكن على العكس قد يبدو الرجل هادئًا, ومع ذلك, قد يلجأ الرجل إلى التعبير عن حزنه من خلال عدد من التصرفات خارج المنزل أو أن يحاول دعم المرأة لكي تتعافي من حزنها بينما يواجه حزنه بترتيب أمور الأسرة, وقد يبكي عندما يكون بمفرده, وفي باقي الأوقات, يحاول أن يعتني بالآخرين.

الجدير بالذكر أن المعالجة الأدبية لعملية التعافي من الأحزان قد تبدو هي الأخرى مأخوذة من وجه النظر المؤنثة, ففي الأعمال الأدبية, قد يظهر التعبير القوي عن المشاعر ومشاركتها مع الآخرين بشكل بارز, ومن ثم إذا كان الفرد معتادًا, رجل كان أو امرأة, على إخفاء مشاعره عن الآخرين في المواقف الصعبة أو معتادًا على الحزن بمفرده, فإنه يصعب عليه أن يعبر عن مشاعره على الملأ بشكل مفاجئ, وبغض النظر عن الجنس, عادةً ما يرغب الناس في استماع الآخرين إليهم ومساندتهم, إذ أن نموذج التعامل مع تلك المشاعر بطريقتك الخاصة مُحببة بشدة في ثقافتنا, وقد يكون من الصعب على الرجل عن المرأة أن يعترف بأنه عاجز عن التصرف وأنه يحتاج إلى المساعدة هو الآخر أيضًا.